الحرية تبني سقفها – جمال البنا

أؤمن بأنّ الحرية الحقيقية هي حرية كاملة لا تُجتزأ أبداً، الجديد علي هو أن الحرية يُمكن أن تبني لذاتها سقفاً لا تتعدّاه، على أن يكون المجتمع الحر هو من يحدّد هذا السقف، كنتُ أظن أن الحرية تفتح الأبواب ولا تُغلقها، وبالفعل العقل الحر يُفكر ويختار لنفسه قيوده الأخلاقية أو الدينية …

أترككم مع رأي الشيخ الجليل جمال البنا

الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا – من أفضل – إن لم يكن أفضل مفكرينا، وأنا معجب بصراحته وصدقه واستقامته وشجاعته، ومنذ أسبوعين تقريباً، بعد أن ألقي البابا بنديكت السادس عشر محاضرته المنكودة، كان رد الدكتور العوا من أفضل الردود وأكثرها حزماً وعزماً وفهماً للقضية.
ولكن جاء في هذا الرد أنه لا يخشى علي المسلمين إلا أمرين، كان أولهما: الحرية التي لا سقف لها. وذكرتني هذه الإشارة بمحاورة قديمة دارت بيننا علي هامش لقاء، لعله كان في نقابة الصحفيين عندما قال لي: «أنا أؤمن بحرية الفكر أما حرية التعبير، فيجب أن تخضع للقوانين والدساتير»، وأذكر أنني قلت له: «لو قيدت حرية التعبير بالقوانين والدساتير، لما كانت هناك قوانين ولا دساتير، لأن حرية التعبير هي التي أوجدتها، وما كان الملوك ليتنازلون طواعية عن حقهم الإلهي في الحكم، إلا لأن الشعب – بفضل حرية التعبير – أجبرهم علي ذلك».
تذكرت هذا عندما قرأت تحفظه علي الحرية وافتراضه وضع سقف للحرية، ورأيت أنه ما زال عند موقفه.
وأنا أعيد هذا إلي العقلية القانونية للدكتور العوا، فهو قانوني ضليع، والقانوني يختلف عن المشرع اختلاف الشرع عن القانون.
فالشرع يأتي من الله، أو من الأنبياء، أو من الفلاسفة والأحرار الذين يؤمنون بالحق المطلق لحرية الفكر، وأن حرية التعبير هي جزء من حرية الفكر.
وأذكر هنا أن رسولنا العظيم كان من أوائل الذين دعوا إلي حرية التعبير، عندما كان يقول لكفار قريش: «خلوا بيني وبين الناس». ذلك أن قريش كانت ترسل وراءه أحد أتباعها، فما أن يدعو الرسول أحداً إلي الإسلام حتي يتدخل هذا التابع، ويقول: «لا تسمعوا له، ولو كان فيه خير لكانت عشيرته أولي به».
موقف الرسول هنا هو الموقف الذي وقفه القرآن، عندما أوجب حرية الدعوة.
أما الموقف القانوني فهو موقف الذي يأخذ الشرع ليقننه، ملاحظاً مصالح وأوضاع المجتمع وتوافقه مع سلطة الحكم، واعتبارات أخري عديدة من ضروريات التطبيق، بحيث يكون القانون تعبيراً عن المجتمع. ويصدق ما لاحظه ماركس من أن القوانين لا تصنع المجتمعات، ولكن المجتمعات هي التي تصنع القوانين.
ونجد كبار قانونيينا في الأئمة الذين وضعوا أصول القانون الإسلامي أو الشريعة، والدكتور العوا ينتمي إلي هؤلاء.
فما وضعه الأئمة هو عن تفاعل الشريعة بأوضاع المجتمع، بحيث صار تعبيراً عن هذين.
وأذكر هنا كمثال لاختلاف الشريعة التي يضعها الفقهاء عن الشريعة، التي جاء بها القرآن، ما موقف الشريعة الفقهية من قضية الردة، فقد حرمتها كل المذاهب الفقهية علي حين أعلن القرآن مراراً وتكراراً حرية العقيدة.
ولا أريد أن أمضي طويلاً في هذه الناحية، فما دمنا ندافع عن الحرية، فمن البديهي أن نتلقي ونستقبل كل الآراء المخالفة، وإلا لما كانت حرية.
ما أريد أن أقول: إن الحرية يمكن أن تصنع سقفها، وأن افتراض «وضع» سقف لها من خارج إطارها، يتناقض مع طبيعتها، ويمكن أن يكون سداً أو حتى شلاً لها.
إن الحرية يمكن أن تضع سقفها – خاصة في مجتمع إسلامي – يعطي حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل فرد. فطبيعي أنه في هذا المجتمع إذا رأي أحد الناس أن الحرية قد سمحت بشذوذ أو شطط، فإن من حقه أولاً كفرد يؤمن بالحرية، وثانياً كمسلم يؤكد الإسلام صحة هذا المبدأ، أن يطالب بتعديل، أو تغيير…. إلخ. وعندئذ ينبري ثان ليقول إن المتدخل له حق في جانب وخالف الحق في جانب آخر. ولكن يظهر ثالث ورابع وخامس وسادس، ويصبح الموضوع سجالاً مفتوحاً يتمخض في النهاية عن الرأي الأمثل الذي يمثل الوجوه المتعددة للموضوع، بحيث لا يأتي القرار ممثلاً لوجهة نظر مفردة، وبالتالي يصاب بنقص.
ومن هنا قالوا: «الحقيقة بنت البحث».
إن كل لعبة لها قواعدها التي دونها لا يمكن أن تمضي اللعبة، ولها أيضاً حكمها الذي يلحظ هذه القواعد، ويحول دون مخالفتها. والحرية، رغم امتيازها ليست استثناء، والجديد أن قواعد اللعبة توضع بممارسة اللاعبين، ومن وضعهم حرصاً علي اللعبة، وأن الحكم ملزم بتطبيق هذه القواعد بالذات، وليس له أن يخرج عنها أو يأتي بغيرها، وبهذا يحقق السقف دون تدخل أحد خارج أسرة الحرية، حتى لو كان الحاكم مثلاً، الذي يكون بمثابة الموت للحرية، وحتى لو تقنع هذا الحاكم بمختلف الأقنعة أو تزين بمسوح الدفاع عن «المصلحة العامة»، أو النظام العام، فهذا كله إنما يقوم علي حساب عمل الحرية ومضيها.
ونحن نعترف – مع هذا كله – أنه يحدث كما يحدث الآن في بعض مجتمعات الغرب، أن تميل الحرية إلي شطط يهدد – في مجموعه – المجتمع، ولكن هذا لا يحدث، إلا عندما ينتاب المجتمع كله مرض يوهن إرادة كل – أو معظم – أفراده، فلا تظهر فيه المعارضة التي تقاوم هذا الشذوذ والشطط، ويكون العيب هنا ليس عيباً في الحرية، وإنما في المجتمع.
وأعتقد أن المجتمعات الإسلامية لا يمكن أن تنزلق إلي منزلق الشطط، خاصة في التحليل والترخص الذي انزلقت إليه بعض مجتمعات الغرب، لأن القرآن الكريم ومواقف وسياسات الرسول عمقت الشعور بالمسؤولية، وأرهفت حاسة الإيمان بحيث أصبحت حارسة للقيم، حائلة دون تجاوزها، وفي الوقت نفسه فإنها تحول تحريم الحكام أو الفقهاء.
لقد أنزل الإسلام إلي ساحة الملعب قوة جديدة، هي قوة «الإيمان» الطوعي الحر، وبهذا أوجد ضماناً فريداً يقوم علي الحرية «لأنه صادر عن إيمان حر»، وفي الوقت نفسه يحمي الحرية من الزلل.
وهذه هي ميزة الأديان التي لم تتوفر في غيرها كالفلسفة مثلاً، والتي يمكن أن يشوهها الفقهاء. وهذا هو السبب في أننا نتمسك بالقرآن دون الفقهاء. ونقول وسنظل نقول ما قاله الرسول: «خلوا بيني وبين الناس»، الأمر الذي يعني حرية التعبير.

ما أروع جمال البنا؟

شيخ وحر؟

رائع رائع

2 Replies to “الحرية تبني سقفها – جمال البنا”

  1. سيدي ميلاد يصادف قرائتي لمقالك هذا اكتشافي وصدمتي بإغلاق منتدى نغم ! فأنظر الحريّة الفكرية بأم عينها ومنّا تتعلم الشعوب التفكير داخل اطار محدود !!

    انقذونا برابط للصفحة على عنوان ip ان امكن
    وشكرا ً

  2. سيدتي إيمان

    أهلاً بكِ

    بالفعل لقد تمّ حجب نغم في السعودية لا أدري إن كنتِ هناك أو أنّك تتحدثين من بلد آخر ..

    على كل حال نعدكم أنّنا سنعود إليكم عاجلاً أم آجلاً لنتواصل مع أصدقائنا الأعزاء في السعودية.

    مبدئياً جربي هذا الرابط http://208.116.12.26/~khaled0/

    شكراً لمرورك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.