تأخّرتْ الكثيرُ من الأشياء في حياتي، بالتأجيل والإرجاء كلَّ يوم … كلَّ يوم … وتعليق الأمور بعضها بالبعض .. وعلى بعضها البعض ..
للحظة أركّزُ مفكّراً بما فاتني … وأتساءلُ كم من الوقت أحتاجُ لتداركِهِ … وترهبني احتمالات الفشل المرجَّحةِ والمُحْدِقةِ بي … إن لم أتوقّف عن هذا الهراءِ فوراً .. وأبدأْ بنشاطٍ وجدٍّ واجبين ..
للحظة أٌركّزُ مقدّراً كم من الوقت أحتاجُ .. كي أعودَ إلى طريقي .. ربّما سنة .. وتبدو لي تجارةً رابحةً أن أُضحّيَ بسنة … على أن لا أبقى حماراً فيما تبقّى من حياتي …
أنا أعرفُ نفسي جيّداً أنّي أهلٌ لما أنا به … وأنّ كُل ما هو مطلوب منّي هو أن أبدأ … وكم تُرعبني تلك البداية … إنّها لحظة صغيرة في مقياس الزّمن … كوخزة الإبرة … مؤلمة … البعضُ يخافُها .. لكنّها لا تطول …
لطالما كنتُ كالمحرّكات الميكانيكيّة … أجهدُ لتحقيقِ ما أريدُ حتى آخر أنفاسي .. وآخر القطراتِ من دمي … أسيرُ في المنافسة إلى الأمامِ قُدماً نحو الهدف … والآنَ أخافُ وخزةَ إبرة!!
أدركتُ مساءَ يومِ الأربعاء 28 آذار مارس 2007 أنّ يوم الخميس التّالي هو اليوم الوحيد المتبقّي لي … كي آخذ ورقةَ دوامي في الجامعة إلى شعبةِ التجنيد … للحصول على عامٍ إضافيٍّ من تأجيل خدمة العلم … والهُروب منها إلى لحظةٍ … لا يُقلقني بعدَها تضييعُ سنةٍ وتسعةِ أشهر من حياتي …
يا إلهي!! لا زلتُ في الرابعة والعشرين من عُمري .. إلّا أنّها ورقة التأجيل السّابعة … وهذا يُشعرني أنّ عُمراً قد مضى بي … وأنّي أصبحتُ كهلاً .. لقد مرّت سنواتُ الجامعة بلمح البصر .. وبدأت أمي تبحثُ عن الشّيب في رأسي … وبدأتُ أوقِنُ أنّ العمرَ يمضي كذلك ..
المكابح!! أين المكابح؟ هل خُلقنا بلا مكابح؟ سُحقاً!!!
ألقيتُ التّحيةَ وشرحتُ سبب مجيئتي وتشريفي لشعبة التجنيد
أجابني الموظّف: إنّي متأخّر … وإنَّ الموعد النّهائي فاتني منذُ أُسبوعين … – منذُ سنتين صدر قرار وحدّد يوم 15 آذار آخر موعد للتأجيل
- كنتُ آتي كل سنة في شباط ولم أتأخّر يوماً هكذا .. لذلك لم أعرف .. وكُلُّ ظنّي أنّي على أعتاب انتهاء الفترة المسموحة ..
في نفس الوقت دخل رجلٌ
وقال: هذه أوراق ابن معلمي … أرسلني إليك .. إنّه عميد (بدا وكأنّه عميد في الجيش … طوق نجاة .. جيّد)
- لماذا تأخّرت إلى الآن؟ من العميد؟
- أرسلني عميدُ كليّة الهندسة المدنية، وهذه أوراق ابنه من كليّة طب الأسنان (غبي!!)
- لقد انتهى الوقت الآن عليكَ أن تكتب استدعاءً وسيتم تطبيق المادة 57 عليك!! (يتحدّث وكأنّها مادة مخيفة في قانون صدرَ حديثاً … وأومأ برأسه ويديه معبّراً لنا عن استيائه وتأفُفه).
- وبماذا تقضي المادة 57؟
- غرامة 500 ليرة. (هل أُريد أن أدفع 500 ليرة؟ أليسَ لأطفالي حقٌّ بها؟ ليس لديَّ من أطفال على كلِّ حال).
- ومنذُ متى صدرت؟
- القانون قديم.
- أها.
مشى الموظّف خارج غرفته … لطالما ارتحتُ إليه وأحببتُهُ وظننتُهُ شخصاً جيّداً … ربّما لأنّي لم أتأخّر يوماً هكذا … ولكنّه الآن يبتزّني ويُخيفني بالغرامة!!!
سألتُ الرّجل: كيف سنحلُّها؟
- يُريد المعلوم
- وكم المعلوم يا تُرى؟
- مئة أو مئتين.
- لا بأس.
هذا موقف الرّشوة الأول الّذي أتعرّض له في حياتي، إمّا أن أكتبَ الاستدعاءَ وأدفعَ الغرامة أو أن أتجاوزَ الأمرَ بالرّشوة .. وأوفّر لنفسي ستّين بالمئة!
خرجتُ قليلاً وعدتُ إلى الغرفة … أشار الرجل إليَّ في غفلةٍ من الموظّف بإصبعين وكان يعني مئتين.
أعطيتُ الموظّف المعلوم … وبدوره سجّل تأجيلي بتاريخٍ قديم ودعا لي بالرّزق!!!
هل يُستجابُ دعاءُ المرتشين؟
تلكُمُ كانت قصّتي وهاكُمُ الآن عبرتي.
لطالما كرهْتُ الفسادَ والمفسدين … إلّا أنّي كنتُ واحداً منهم .. شجعّتُ أحدهم … ما هُوَ سرُّ هذا الفصام؟ ما بين فكري وفعلي؟
أجدُني الآن أتفهَّمُ صغار الموظّفين … الآباءَ .. لأطفالٍ في هذه الحياة … أجدُني أتفهَّمُ فسادهم …
أطرحُ سؤالاً مهمّاً: لو كنتُ موظّفاً .. هل أرتشي؟ أكادُ أجزمُ بنعم … من الجميل أن أسمع صفّاراتِ الإنذار هذه!
عندما وُضِعَتْ أفكاري على المحك … خَذلْتُني .. وكم هذا مؤلم …
في لحظة الكتابة هذا .. أتمنّى لو كنتُ قد رضختُ للمادة 57 على أن أرضخَ لابتزاز طمعي البشري
إلّا أنّنا لا نعتنقُ الأفكارَ حتّى نلتزِمَ مغازيها ..








merci vous ete tree gentil