نُعاني من رض نفسي بالغ لدى تعرّضنا الأوّل لمفاهيم المجتمع حول الفصل والعزل بين الجنسين، قد يكون ذلك في المدرسة أو بين الأقارب والجيران، فيُمنع عنّا التّواصل مع الجنس الآخر لدواعي دينية (الأهم) وأخلاقية واجتماعية متكاتفة تجعل من رفضها دعوةً لا أخلاقيّة ولا دينية وخروجاً على إرادة الجماعة المستمدّة في ظاهرها من الدين والأخلاق والمختبئة في حقيقتها خلف ستار مصادرها. فيصبح تواصل المرء مع امرئٍ من الجنس الآخر ضرباً من ضروب الحرام والانفلات غير الأخلاقي.

لقد كان هذا المحرّم بالأمس (في الطفولة) مسموحاً وإنسانيّاً، ولكن التقدّم بالسن وظهور العلامات الانتقالية الأولى نحو النضوج والبلوغ الجنسيّين قد قَلَبَه وغيّره، ليُعاني أبناؤنا من عقدة الحرمان من التّواصل مع الجنس الآخر وبدرجات متفاوتة من مجتمع إلى آخر.

إنّ هذا المنع يولّد لديّنا - معشرَ الشّباب - شغفاً كامناً للتعرّف على هذا المحرّم (ببراءة أو بدونها) وتجاوز حرمته وخطوطه الحمراء، فنبحثُ عن عذرٍ لتبرير هذا التّجاوز، ونجد في الحبِّ والزّواج مبرّراً مقبولاً لدى المجتمع، فنحّب أوّل فتاة \ شاب تَسمح لنا الظّروف بالتّواصل معها \ معه. “نحب” لأنّنا نريد مبرّراً لاستمرار هذا التّواصل و”أوّل” لأنّ ذواتنا تإنُّ تحت وطأةِ الحرمان والحاجة الإنسانيّة الطبيعية الممنوعة بالرّغم من قابليتها للقوننة والتّوجيه. فنجعل من أوّل شخص نتواصل معه مشروع حب وزواج!

لذلك تنتشر لدينا مفاهيم ثورية في الحب: كالحب من أول نظرة والحب العذري وما إلى هنالك من التعابير اللّغويّة الّتي تُفضي على خداع الذّات (وتبريرات العقل الباطن المريضة) أبعاداً راقيةً كالعذرية وصّدق المشاعر .. إلخ. حتّى إنّنا لا نعرف الفرق بين كلمة like وكلمة love، فقد ترجمت لنا مدرّسة اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية كلمة like إلى “يحب” وقالت إنها مثل love بينما في الحقيقة يستخدمها الغربيّون للتعبير عن كلمة “يستلطف” أو “يُعجب بشخص ما” وشتّان ما بين الإعجاب والحب. وسنأتي على تفصيل هذا الفرق لاحقاً.

لقد ترعرعنا في ظروف غير صحيّة ونحن - في معظمنا (إلا من ينتمي إلى مجتمع متفتّح وطبيعي) - مرضى نفسيون بحاجة إلى علاج لنعود إلى الطبيعة الإنسانية، لقد رأيت الكثير من الشّباب في المرحلة الجامعية الّذين يحبّون كل فتاة يتعاملون معها، كل فترة قصة حب جديدة، وبطلة جديدة للقصة.

إنّ الطّبيعة الإنسانيّة (الّتي ذكرتها قبل أسطر) هي الّتي تعرف كيف تفرّق بين زميلة ورفيقة وصديقة وحبيبة، إنّ الإنسان الطبيعي يستطيع أن يفهم مشاعره فيعبّر عنها كما هي ويُعطي الأشخاص من حوله أبعادهم المناسبة فلا يخلط بين المستويات المختلفة للعلاقات الإنسانيّة مع الجنس الآخر. ويعرف أنّ الإعجاب هو على الأكثر دافع للتّواصل وليس سبباً للحب والارتباط. وما أقول إنّه طبيعيّ في المستويات المختلفة للعلاقات أصبح كذلك بعد أن بدأ الإنسان خلال مسيرة تطوّره بسن قوانين الزواج والممارسة الجنسية. بناءً على تجربته الإنسانيّة (التجربة الأوديبية مثلاً).

وإنّ الرّغبة “المحمومة” لدى شبابنا لكي يتواصلوا مع أفرادٍ من الجنس الآخر ليست وحدها السّبب الكامن وراء مشاعر الحبّ الواهمة الّتي تعصف بأي شابٍّ من شبابنا، بل إنّ الكبت الجنسي وعدم نشر ثقافة جنسية علمية وعلنيّة يزيدان من إشارات الاستفهام والتساؤلاتِ المحيطة بالجنس الآخر، ولذلك نرى في مجتمعاتنا المكبوتة ممارساتٍ جنسيّةً من تحت الطّاولة دون أي رادع أو ضابط اجتماعي، ولو أنّ المجتمع باركَ الحريّة الجنسية لتمكّن من قوننتها ووضعها تحت الإشراف، وتحديد ما يجوز وما لا يجوز.

علّمتني الحياة أنّ الكبت والمنع لا يُنتجان التزاماً باجتناب الممنوع، بل يدفعان بالمقموعين إلى ممارسة الممنوع سرّاً وبعيداً عن عين السّلطة الرقابيّة.

المشكلة باختصار هي الفشل المتكرر لدى شبابنا في علاقاتهم وخياراتهم العاطفية، نتيجةً لما سبق شرحُه.

إذا أردت أن أختم مقالي هذا بحلول فإنّي سأتحدّث عن الحُلول على المَدَيَيْن القريب والبعيد. بدايةً وكما تعرفون علينا أن نعترف بوجود مشكلة اجتماعيّة لدينا، وبعد ذلك نناقش الحلول.

على المدى القريب وفيما يتعلّق بالشّباب - والصبايا على حدٍّ سواء - الّذين تربّوا في مجتمع مكبوت فإنّ خوض التّجارب العاطفيّة وإن فشلت هو أمر مُهم لنجاح تجربة عاطفية أخيرة. وذلك لأنّ شبابنا لا يعرفون أصلاً ماذا يُريدون (حيث لا يزوّدهم المجتمع بالمعلومات والخبرات اللّازمة) ولن يفهموا أنفسهم ومشاكلهم قبل أن يخوضوا تجارب مُرشّحة مُسبقاً للفشل بسبب انعدام وعيهم بذواتهم ومحيطهم وحياتهم. بعد ذلك سيخرجون بنتائج وخبرات ستمكّنهم - إن أحسنوا الاستفادة منها - من النّجاح في علاقة تالية أخيرة.

وكتجربة شخصية (وخلاصة لما تعلّمته من الحياة) وجدتُ أنّ رفع المقاييس الشخصيّة (مثلاً: النّواحي الجمالية والعلمية والفكرية) الّتي نُحاكم على أساسها إمكانيّة قبول شخص كمرشّح ممكن للارتباط يُساعد جدّاً على تجنّب خوض علاقات فاشلة (أو مرشّحة للفشل) مع أشخاص لا نقبل أصلاً بالتواجد معهم لو كنّا أكثر وعيّاً وإرادةً. وكخلاصة أدق لقصدي … لا تسمحوا لأي شخص أن يكون مشروع ارتباط محتمل، إلا لمن يحطّم كلّ مقاييسكم وأنتم لا تصدّقون أنّه بالفعل موجود (الشّخص الّذي يحقّق المقاييس كاملةً هو أسطورة). بالإضافة إلى ضرورة استخدام العقل في تقييم الشّخص وتحييد العواطف في هذا التقييم، وحتّى إن نشأت لديكم عواطف، فلا تُخضِعوا قراراتكم لها، بل استمروا في خوض التجربة بعقلانيّة، حتّى تصلوا إلى قناعة عقلانيّة وعاطفيّة باستحقاق الشّخص للارتباط أو عدم استحقاقه. (وأقول قناعة عاطفيّة لأنّ العواطف مهمة في اتخاذ القرار النهائي ولكن من الضروري تحييدها في مرحلة دراسة الشخص). أخيراً .. إنّ النصائح السّابقة هي حل لمن يستشعر هذه المشكلة في نفسه ويعترف بها، أما من لا يشعر بوجودها ولا تشكّل بالنسبة له شيئاً سلبيّاً، فالكلام السابق لا يفيده على الإطلاق.

أمّا على المدى البعيد وفيما يخص المجتمع ككل، وهنا المشكلة الأساسية والكُبرى، فلا بدّ من الانتقال بالمجتمع كلّه إلى مراحل أكثر حضارةً ومدنيّةً وتقدّماً أي إلى المرحلة الّتي يستطيع فيها المجتمع أن يقدّر فيها الحقوق المشروعة للفرد من حيث حريّته واستقلاليّته برأيه وحياته وبحيث يكون الفرد مسؤولاً وقادراً على الاختيار الملائم، ويضطلع المجتمع ذاتيّاً ومن خلال جمعيّاته الأهلية بدوره في تحديد المقبول وغير المقبول (مثلاً بعض المجتمعات تسمح بالحريّة الجنسية كجزء من حريّة الفرد ولكنّها تستهجن الخيانة) مع ترك الهامش الشّخصي لحريّة كل فرد. ويقتضي هذا تجنيد وسائل الإعلام والتعليم في خدمة هذه المهمة.

ميلاد - 24 ديسمبر 2007
أحمد الدبسي

موضوع مهم جداً وحساس
د.ميلاد….
إن العلاقة بين الشاب والفتاة هي نتيجة ومحصلة لكل معارف وتجارب الجنسين…وما هي إلا عبارة عن علاقة فكرية وعاطفية….لا جنسية
برأيي حتى تتحسن هذه العلاقة وتسير نحو الأفضل…ما علينا إلا دعم أفكار الشباب وصقلها بالثقافة العاطفية وعلم النفس والاجتماع…والأهم أن يكون الشخص كما هو (طبيعياًً) لا ممثلاً في عرض مسرحي!!!

محمد السيد

نقد بناء ورغبة في إيجاد حل …….

كان التحليل للمشكلة منطقي ويسير مع العقلانية في مجتمعنا تماماً دون أي تزييف أو تحوير . طرح الموضوع مهم للغاية والأسلوب الحيادي كان واضحاً جداً في هذا الأسلوب .

أما الحلول التي جاءت كما يرغب الجميع فهي قضية مهمة ، فإن كان الحل هو السماح لهؤلاء الشباب بالعيش كما تمليه عليه غريزتهم وكما ذكر في المقال ( خوض التّجارب العاطفيّة ) هو لأمر يجعلنا نحول هؤلاء الشباب إلى فئران تجارب يحاول كل منهم أن يجد طريقه منفرداً وتتحول كلمة الفشل العاطفي إلى أغنية يتغنى بها الجميع فيستباح العرض وتستباح الحرمات .

أما البديل لهذا الحل فهو السماح بالاختلاط المشروع الذي يشكل دافعاً للطرفين في التوجه نحو الطريق الصحيح دون أي مشاكل . فأنا أدعو إلى تكوين علاقة تفاهمية غير معتمدة بشكلها الرئيس على الغريزة وإنما تعتمد على العقلانية والمنطقية في إيجاد التعايش الحقيقي بين الطرفين دون غض النظر عن الرغبات الغريزية . العلاقات التي تكون مكشوفة للجميع قلما تكون مخطئة أما العلاقات التي يعتريها الكثير من التزييف والكذب والنفاق فهي إلى الخطأ أقرب .

كل الشكر للدكتور ميلاد على هذا الطرح الجميل لموضوع بهذه الأهمية .

SYRIANMEDS.NET