أشعر بحنق وغضب شديدين وأُريد أن أنفّس هذا الغليان، فاسمحوا لي من فضلكم يا سادة.

أظنُّ أنّي أوّل من أطلق عبارة “الاستمناء الفكري” Ideological Masturbation منذُ سنتين، عندما كنتُ أفكّر بما شببتُ عليه من أفكارٍ قوميّةٍ عُروبية Pan-Arabic، وتوصّلت إلى أنّي مُؤدلَج على وزن مُبرمَج.

حيثُ لا يُتاح للسوريّين في الغالب الإطلاعُ إلّا على الفكر البعثي من خلال كتب التربية القوميّة الاشتراكية المدرسية، الّّذي بدأت أدرسها منذ أن كُنت في الصف الرابع الابتدائي، إضافة إلى الإعلام المُؤدْلـَِـج الرسمي (الّذي لا يوجد سواه وإن وُجد فهو مشروط بالتأكيد)، حيثُ يعيشُ الكثيرون على أحلام تحرير فلسطين والجولان (دونَ لاوء اسكندرون) بالإضافة إلى العراق والقليل من التّعاطف مع أفغانستان بدعوى المعاداة لأمريكا أو بدعوى الانتماء المُفاجئ الجديد الّذي عصف فجأةً بالمنطقة القومية العربية لتُصبح منطقة الأمّة الإسلامية! من جاكارتا إلى نيخاراغوا!!! .. بدلاً من الأمة العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج.

يبدو لي جيّداً أنّي أدركت دور الأدلجة في حياتِنا – نحن شعوبَ المنطقة – ولاحظت دور الأدلجة الجديدة الّتي تُمارَس في المنطقة من قبل جهات عديدة تتضمّن الأجهزة الأمنية الحاكمة، وكان أوّلها أجهزة صدّام حسين الّذي أصبحَ مؤمناً فجأةً وأضاف “الله أكبر” إلى علم مزرعته العراقيّة، في محاولة لاستعطاف شعبه واستمالته وتجنيده في حرب البقاء الصدّامية – الأمريكية.

الجهات الأُخرى هي الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة وإيران، بأداتِهم الدّين، وهُم أشد من يُمارس ما أسمّيه “امتطاء الأفكار”، ويستخدمون وسائل الاتصال الحديثة كالانترنت والفضائيّات لنشر عولمتهم المُضادة، المستقاة من جذور التّاريخ رافعين شعاراتٍ تجتذب الأغلبية من الأميّين والسُذّج والجهلة في العالم العربي والإسلامي.

إداركي – سابقُ الذّكر – هذا دفعني إلى إبقاءِ نفسي خارج حقل الرّمي الإيديولوجي، ووجدْتُ في نفسي ميولاً جامحاً نحو العقل والحريّة، واخترتُ أن أكون عِلمانياً ديموقراطيّاً متحرّراً غيرَ آبهٍ بالدّين ولا بأعراف المجتمع، هذا أنا وهذا ما يجب أن أكون عليه، هكذا اخترت نفسي، إنساناً حرّاً متأدلِجاً لا مؤدلَجاً وأنا فخور بما أنا عليه.

إنقلابي على الفكر القومي كان منذُ سنتين، بعد صحوتي منه كالكثيرين غيري في المنطقة، وكتبت مقالة عنونتها بـ “لا للوحدة العربية، نعم لوحدة الوطن”، رفضتُ فيها أن أحلم بالوحدة العربية، في حينٍ ينتابني شعورٌ أنّ وحدة وطني ليست على ما يُرام، ووجدت أنّ النّضال لوحدة الوطن هو أجدى وأنفع وأكثر ضرورة، كما أنّ القضية العربيّة الأولى – القضية الفلسطينيّة – تدفعني للاستدارة وإعطاء ظهري لشُذوذ سياسي في بلدي ينتهك عُذريّتي وعذّريّة شعبي في كلّ لحظة.

وأعود لتوضيح صورة الاستمناء الفكري المُقرفة: الصورة هي لشخص – أي شخص من منطقتنا تقريباً – يستمني وهو يفكّر بواحد من أحلام اليقظة التالية:

- مشهد إزالة الحدود بين الدّول العربيّة وتحقيق الدولة العربية الواحدة، بينما الواقع هو أنّ المنطقة متّجهة نحو المزيد من التفتيت والتّقسيم الطّائفي. فقبل أن تتحقّق الوحدة العربيّة ألا يجدر توحيد الأحزاب العربية القوميّة؟ وتبديل الأنظمة الخالدة أيضاً؟

- مشهد تحرير فلسطين، ومشهد المسلم الّذي تُـناديه أشجار فلسطين يا عبدالله تعال اقتل هذا اليهودي ورائي، وما اليهودي المدني إلّا إنسان بريء ولكنّه أخرق تمّ إيهامه بأرض الميعاد، واستُخدم كدرع بشري تحت اسم مستوطن من شعب الله المختار.
وقد يكون هذا المشهد أبسط من ذلك كإقامة دولة فلسطينية عاصمتها فتح!!!!

- مشهد استعادة أمجاد الحضارة العربيّة الماضية منذ مئات السّنين، وذلك من خلال العودة إلى الدّين الّذي تركناه! وكأنّ الحضارة تُخلق بتأدية العبادات وبالسّبحة واللّحى والسّواك، دعونا نكنْ منطقيّين، هذه الأعمال تبني قصوراً وحضاراتٍ في الجنة لمخلوقات السّماء لا للبشريّة في الأرض.

إنّ الحضارة الإنسانية لا تُبنى باستيراد التّاريخ، بل بتصدير الزّمن، بشكل أبسط لا يُمكنّنا امتلاك (وكُل ما يتم الحديث عنه هو امتلاك واستملاك أو استعادة وليس خلق) حضارة باستعادة حضارة ماضية، إنّما باستباق الزّمن.

- مشهد إقامة دولة خلافة دينيّة خرافيّة في المنطقة وهو مخيف ويكاد يُصبح واقعاً.
غريب! هل يحتلم البعض بكوابيس؟

- مشهد العدالة الاجتماعيّة، لدى الشيوعيّين والاشتراكيين، ولحسن الحظ الشيوعيّيون خاصةً هُم قلّة في منطقتنا، ولكن هذا لا يُلغي حقيقة كونهم في غاية الاستمناء الفكري.

وبقي لديّ العلمانيّين والليبراليّين والديموقراطيّين القلّة القليلة الّتي تحلم بالدّول المدنية الديموقراطيّة الحرّة الحديثة، وفي هذه الظروف القائمة في منطقتنان دعوني أكن صادقاً معكم، هذا مشهد استمنائيّ آخر.

الواقع هو فوضى وجهل عارمين يجتاحان المنطقة وجيوشٌ من الجاهلين يصدّقون ويتبعون مجموعة من الدّعاة الكاذبين من وهّابيّين وسلفيّين وقوميّين ومشعوذين وطائفيّين مُستعدّين عند أوّل انفلات للقانون في أيٍّ من الدّول لقلب الأرض رأساً على عقب.

أوّل ما فعله العراقيّيون بعد سقوط نظامهم الصدّامي، هو السّرقة وإسقاط تمثال رئيسهم المخلوع بما يمثّله من قهر وظلم للعراقيّين، وبكل ما يمثّله أيضاً كحاكم للقانون. وبعدها استذكّروا أحقادهم التّاريخية الكربلائية، وبدؤوا بالانتقام.

أمام منطقتنا يا أعزّائي وببساطة خيارات أحلاها مرٌّ:
- الأوّل والأكثر أمناً حالياً هو استمرار حكومات أصبحت كرتونية وأكروباتيّة لا أمل منها إطلاقاً في إحداث أي تغيير في الاتجاه الصحيح بعد أن صعدت بقواها العسكرية.
- الّثاني هو سيطرة المتطرفين دينيّاً وإقامة ما يسمّونه حُكم الله الصّبور في الأرض، والّذي ينتظرهم بصبر لا يفرغ لإقامة حكمه في الأرض، يا أخي الله لا يحتاج إلى البشر لكي يقيموا حكمه، الله أكبر، ويعاملونه كالطّفل ويقيمون وصاياتهم عليه وعلى دولته وحكمه للبشر.
- الثالث احتلال خارجي يسرق الثّروات ويعرّضنا للمزيد من خطر المتطرّفين.
- الرّابع إبادة نوويّة للمنطقة ولقد أصبحت مقتنعاً على أنّه أحد الخيارات المستقبليّة الّتي قد يتّخذها العالم تجاهنا نظراً لما نبديه من ممانعة حضاريّة ومعاداة ورفض للعالم المتقدّم.

هذا وضع أمّة أول كلمة في كتابها المقدّس “اقرأ”، وفي ظلّ هذه الفوضى وفي هذه المرحلة الانتقالية الّتي تبدو كالدّخول في عصور ظلاميّة جديدة، أرى أنّه ما من دور تنويري يمكن أن ينجح في تجنيبنا حمّامات الدّم المرجّحة، انظروا حولنا هل ترون أي فرصة لثورة من أجل الحرية؟ الثورة الشعبية الوحيدة الممكنة في أيٍّ من بلاد المنطقة هي ثورة دينية كل همّها هو إلغاء كل ما هو مخالف، وإقامة الحدود على الزناة والمرتدّين وشاربي الخمر، دون سياسة واضحة ضد الفساد المالي والاجتماعي والأخلاقي المتقع.

أخيراً وجدت أنّ الأنانية selfishness هي الخيار الوحيد المتبقّي، ويمثّل الرّحيل النهائي من هنا إلى عالم النور الجديد أمراً شبيهاً بالانولاد من جديد.

ميلاد - 20 أبريل 2007

Selfishness is the way out , you have to face it to replace it . and the fact that there is only 2 people out of 100 who have the Courage and The will to face our dream of reality as I call it .
Our Life has became a disgusting action and dreams of the nothingness.
Cheers for this good article , and cheers for all your contributions in any other Topic .
(I wrote a longer comment but the stupid Firefox had some error so I had to rewrite , made me write less .

When you want to give, you probably want to be given it back. unfortunately, this is not the case here as much as I know. So you just choose to give up.

While I can’t (change the world). I’m going to work for myself only. Me is the only one who deserve it. but I still give others more than I give to myself.

Anyway thanks for your comment, my article speaks more than about the selfishness.

All the best

Dewdrop

السلام عليكم ياأخي ميلاد,
أضحى مبارك وينعادعلينا بالخير واليمن والبركة.
في شي خاص بمدوناتك بتخلي اللي يبدأ في قراءتها لازم يستمر لآخر كلمة فيها,يمكن لأنك بتعبر بصدق وبدون تملق!!
على كل حبيت علق على عبارة العودة إلى الدين الذي تركناه!!!
هلق أنا من أنصار هذاالمبدأ,بس الدين بمفهومه الحقيقي,مو هو اللحية والسواك والسبحة!!!
الإسلام هو ببساطة جزئين:-علاقة الإنسان بالله ,العبادات اللي هي علاقة روحانية,يعني مثلا الصلاة موهي بس بالحركات وإنما بإحساسك وبنتائجها العملية….
-الجزء التاني هو المعاملات وهي اللي تركها معظم المسلمين وفصلوها عن الدين والمشكلة في فهمن اللإسلام مو بالإسلام!!!
بعرف أنه أنا طلعت عن جوهر الموضوع اللي عبتحكي عنه بس أنا مبيهمني لاشيعة ولاوهابيين ولاسلفيين ولاكل هاللملل…
بيهمني عامل الناس منيح وحب الخير وكون طموحة وبتمنى مثل ديني صح……
رجاء :بتمنى توضحلي مفهوم العلمانية!!!!!
مع خالص احترامي وتقديري


follow me on Twitter